فخر الدين الرازي
24
المطالب العالية من العلم الإلهي
وذهب إلى هذا القول جمع [ عظيم « 1 » ] من أصحاب الآثار والأخبار . وقالت طائفة خامسة : الأصل هو الهواء ، فإذا تحرك وتسخن حدثت « 2 » النار ، وإذا تكاثف حدث الماء ، وإذا تكاملت الكثافة حصلت الأرض . واعلم أن هذه الأقوال متدافعة ، وكل واحد منها فهو في نفسه [ محتمل « 3 » ] فهذا تمام الكلام في التفريع على قولنا : الأجسام بأسرها متماثلة . أما على القول بأن الأجسام مختلفة في ماهياتها . فإنه يقال : جسمية [ النار جسمية « 4 » ] مخصوصة توجب الحرارة لذاتها ، وجسمية الماء جسمية مخصوصة توجب البرودة . لذاتها ، وعلى هذا التقرير فالكون والفساد على هذه العناصر : ممتنع . وهؤلاء يلزمهم أن يقولوا : إن هذه العناصر الأربعة ، كانت موجودة في الأزل ، ثم إنها لما اختلطت حصل هذا العالم بسبب اختلاطها وامتزاجها . ثم القائلين بهذا القول لهم أيضا قولان : منهم من قال : إن الكيفيات الأصلية في هذه الأربع ، أعني الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة ، أما سائر الكيفيات فهي كيفيات تحدث بسبب الامتزاج ، فالجزية واللحمية والعسلية والحلية ، كيفيات إنما تحدث بسبب الامتزاج ، فهذه الأجسام لما كانت غير ممتزجة في الأزل ، كانت خالية من هذه الكيفيات . ومن الناس من قال : هذه الكيفيات أيضا أصلية ذاتية ، فالخبزية [ صفة ذاتية للخبز « 5 » ] وكذلك اللحمية . إلا أن تلك الأجزاء صغيرة جدا ، ومختلطة بعضها بالبعض ، فلا تظهر هذه الصفات منها ، لأجل أن اختلاطها بغيرها ، يوجب تكون هذه الصفات والطبائع ، فإذا اتفق سبب أوجب انضمام تلك الأجزاء المتجانسة بعضها إلى بعض ، ظهر جسم كبير محسوس على تلك الطبيعة ، فيظن أن تلك الصفة حدثت ، وليس الأمر كذلك بل هو على الوجه الذي ذكرناه . وهؤلاء هم القائلون بالخليط الذي لا نهاية
--> ( 1 ) من ( ت ) ( 2 ) حصلت ( ت ) ( 3 ) سقط ( ط ) ( 4 ) من ( ت ) ( 5 ) من ( ط ، س )